وهبة الزحيلي

210

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لذا قال تعالى آمرا النصارى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ المائدة 5 / 47 ] وقال هنا : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ أي وأعطيناه الإنجيل فيه الهداية للأحكام العملية والضياء لأصول العقيدة ، كالتوحيد ونبذ الشرك والوثنية ، والإنجيل كالقرآن مصدق للتوراة ، واللّه جعل الإنجيل هاديا وواعظا المتقين ، لأنهم الذين ينتفعون به . ويلاحظ أن تكرار جملة وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لمعنيين مختلفين ، الأول : أن المسيح يصدق التوراة ، والثاني : أن الإنجيل يصدق التوراة . وأما تكرار كلمة هُدىً فالمراد بها أولا : بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور : بيان التوحيد والنبوة والمعاد ، وأما المقصود بها ثانيا : فهو أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو سبب لاهتداء الناس إلى رسالة الإسلام ؛ لاشتماله على البشارة بمجيء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم النبي الأخير « البارقليط » الأعظم . وأما كون الإنجيل مختصا بعظة المتقين فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة ، وإنما خصها بالمتقين ؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، كما في قوله تعالى عن القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ « 1 » [ 2 لبقرة 2 / 2 ] . وبعد بيان خصائص الإنجيل أمر تعالى بالعمل به فقال : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أي وقلنا : ليعمل النصارى بالأحكام التي أنزلها اللّه فيه ، كما قال تعالى في أهل التوراة : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها . والمقصود من الأمر بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن : هو زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره ، مثلما فعل اليهود بإخفاء أحكام التوراة .

--> ( 1 ) المرجع السابق : 12 / 9